All Writings
أغسطس 6, 2014

في شرك الأوهام وإنكار الواقـــــــــــــــــــع

يتخبّط الإسرائيليّون والفلسطينيّون منذ عقود ٍ طويلة من الزّمن في شرك الأوهام وإنكار الواقع وقد التجأ كلاهما لمبادىء وعقائد ايديولوجيّة ودينيّة ترفض باقتناع أية أدلّة واقعيّة تثبت عكس ذلك.

فمن ناحيّة يصرّ جمهور قويّ من الناخبين الإسرائيليين من أحزاب يمين الوسط بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأنّ إسرائيل ليست قوّة محتلّة، وبأن المستوطنات لا تشكّل عوائق للسّلام وأنّه لا يمكن أبدا ً للقدس أن تصبح عاصمة ً لدولتين وأنّ كره الفلسطينيين للإسرائيليين هو لبّ الصّراع وبأن الفلسطينيين لا يريدون السّلام الحقيقي وأنهم أخذوا على أنفسهم تدمير إسرائيل وأن حصار غزّة مُبرَّر لأسباب ٍ أمنيّة.

ومن الناحية الأخرى فإن أوهام وانخداع الفلسطينيين بواقعهم ليس بأقلّ سخافة ً من ذلك حيث أنّهم مستمرّون في مطالبتهم بحق عودة اللآجئين ويدّعون بأن إسرائيل جسم غريب مزروع في المنطقة وليس لها الحقّ في الوجود وبأنّ ليس لديها قضايا أو مخاوف أمنيّة وطنيّة حقيقيّة وبأن جميع الإسرائيليين ملتزمون بمنع إقامة دولة فلسطينيّة.

إنّ هذه الأوهام والإنخداعات التي أدامت الصّراع بشكل ٍ مأساوي حتّى هذه الساعة وأفعالها وردّ أفعالها على اعتداءات كلّ منهما على الآخر لم “تؤكّد” سوى “صحّة” هذه الأوهام والإنخداعات. ولذا لم يُترك سوى القليل من المجال لأي حديث ٍ ثنائيّ بنّاء لأنّ التشكّك والكراهيّة وعدم الثقة قد أصبحت متأصلة بعمق في نفسيّات الشعبين بحيث خلقت انقسامات نفسيّة وسياسيّة وجسديّة.

لا غرابة في ذلك، فقد تجلّى الآن هذا الوضع المحزن وضوح الشّمس، مرّة أخرى، من خلال الحرب الدائرة ما بين إسرائيل وحركة حماس التي لا تمثّل في الواقع سوى شريحة صغيرة نسبيّا ً من الشّعب الفلسطيني.

لن يبرز من هذه الحرب منتصرون بل فقط خاسرون. وبالرّغم من أنّ كلا الجانبين يتكبّد خسائر فادحة، غير أنهما ما زالا يجدان الراحة في انخداعهما ويرفضان مواجهة الحقيقة. لقد قال يوما ً كيركيغارد:”هناك طريقان للإنخداع. الأولى أن تؤمن بما هو ليس صحيحا ً أو واقعيّا ً، والثانية أن ترفض الإعتقاد بما هو صحيح أو واقعي”.

هناك العديد من الإسرائيليين الذين يعتقدون وبشدّة بأن لدى إسرائيل الآن الفرصة لمسح حماس من الوجود. ففي مقالة ٍ له نشرت أخيرا ً دافع ميشائيل أورين، سفير إسرائيل السابق لدى الولايات المتحدة، بشدّة بأنه “يجب السّماح لإسرائيل بسحق حماس في قطاع غزّة”.

هذا نوع ٌ من الوهم الذي يعميه ويعمي العديد من أبناء بلده الذين لا يفهمون كم هو مشؤوم موقفهم بالنسبة لحماس. فإسرائيل تستطيع تدمير كلّ الأنفاق وكلّ الصواريخ وحتّى قطع رأس قيادة حماس، غير أنّ كلّ ذلك سيبرهن بأنه عبث وعلى حفّة الجنون لأنّ حماس كحركة ما زالت تتمتّع ببعض الدّعم الشعبي. وسيعطي مثل هذا الجنون فرصة ً فقط لنشوء جيل ٍ جديد من الفلسطينيين الإسلاميين المتطرفين الذين سيحملون راية حماس، ولكن هذه المرّة بشدّة ٍ وتصميم أكبر بكثير من ذي قبل لمقاومة إسرائيل بالسّلاح.

لا يستطيع أحد أن يتهم السيد ميشائيل أورين بالغباء، فقد قال شاوول بيلّو بشكل ٍ مناسب:”يمكن استثمار قدر كبير من الذّكاء في الجهل عندما تكون الحاجة للإنخداع كبيرة”.

وبالعكس، تستطيع حماس أن ترهب الإسرائيليين وأن تنشر الخوف وتسبّب الدمار بين السكّان المدنيين وتنزل بهم خسائر كبيرة بالأرواح والممتلكات، ولكنها لن تهزم أبدا ً إسرائيل عسكريّا ً، فهذا سيقوّي فقط عزم الإسرائيليين على محو حماس كمنظمة إرهابيّة مهما بدا ذلك مضلّلا ً.

والسخرية في الأمر هي أنّ كلّ قوّة إسرائيل العسكريّة قد فشلت في ردع حماس. لقد استطاعت منظمة تحت الحصار وبموارد ماليّة محدودة جدّا ً أن تبني شبكة متطورة ومعقّدة من الأنفاق وتشتري وتصنّع ما يزيد عن 10.000 صاروخ وتدرّب آلاف المقاتلين وتعدّ نفسها لمقارعة آلة إسرائيل العسكريّة الهائلة من تحت الأرض ومن الجوّ.

أضف إلى ذلك، فإن أعداد القتلى المدنيين الفلسطينيين، وخصوصا ً الأطفال، الغير متناسبة بتاتا ً مع عدد الإصابات بين مقاتلي حماس قد أثارت سخطا ً دوليّا ً واضعة ً إسرائيل في موقف دفاعي. “لا يهمّ” أن تقوم حماس باستخدام المدنيين الأبرياء كدروع بشريّة، فإسرائيل وليست حماس هي المتهمة بالقتل بدون تمييز، سامحة ً لحماس بأن تكسب الحرب الإعلاميّة.

لا شكّ بأن الحرب ستنتهي أخيرا ً يوما ً ما، ولكن السؤال هو: هل شروط وبنود إنهاء هذا الصراع ستمهّد الطريق للجولة القادمة من العمليّات العدائيّة أم أنّ كلا الجانبين سيتخلّصان من أوهامهما ويعترفان ببعضهما البعض وينهيان هذه الحلقة المفرغة من العنف؟

فبالنسبة لحماس، هذه ليست مجرّد معركة لتخفيف الحصار أو رفعه كليّا ً. إنها معركة من أجل بقائها، غير أنّ حماس وضعت نفسها في مأزق. فبعد أن جعلت المدنيين الأبرياء يعانون ويلات هذا الموت والدّمار الفظيعين، فإن فشلها في رفع الحصار في مرحلة ٍ ما في المستقبل القريب سيعادل انتحارها السياسي.

وبالرّغم من أنّ نتنياهو لا يستطيع سحق حماس كحركة، غير أنّه يأمل في تعرية أو إسقاط حكومة الوفاق الوطني. ومهما يكن الأمر، فهو لن يقبل بعد الآن – وله الحقّ في ذلك – هدنة طويلة الأمد إلاّ بعد تدمير جميع الأنفاق ونزع قطاع غزّة من السّلاح وتصبح قوات أمن السلطة الفلسطينيّة هي المسؤولة عن جميع المعابر الحدوديّة.

ونظرا ً للأسباب الواردة أعلاه، يجب أن يحرّر أي حلّ إسرائيل وحماس من وهم أنّ بإمكان أيّ منهما أن يتخلّص من الآخر. والآن بعد إنزال كلّ منهما هذا القتل والدّمار على الطّرف الآخر، لربّما يقفان عند هذا الحدّ ويفكران إلى أين سيؤدي كلّ هذا الجنون. ولذا، يجب أن يعتمد أي مسعى لإيجاد حلّ بعد الهدنة الإنسانيّة الأوليّة على صيغة أو معادلة يكون فيها لإسرائيل وحماس قواسم مشتركة تلبّي متطلباتهما الأساسيّة وتفتح الباب لمفاوضات سلام ٍ جادّة ما بين إسرائيل وحكومة الوحدة الفلسطينيّة.

والدّول العربيّة وقد ضجرت من التطرّف الإسلامي قد تخلّت بدرجة ٍ كبيرة عن حماس وهي الآن في مركز أقوى بكثير من ذي قبل لعصر حماس لكي تتبنّى مبادرة السّلام العربيّة التي تبقى الصيغة الواقعيّة الوحيدة والتي ما زالت مطروحة على الطاولة منذ مدة تزيد عن الإثني عشر عاما ً.

تعترف مبادرة السلام العربيّة بحقّ إسرائيل في الوجود وبإقامة دولة فلسطينيّة مستقلّة تعيش جنبا ً إلى جنب مع إسرائيل. وتنصّ أيضا ً المبادرة على إقامة سلام ٍ دائم واعتراف الدول العربيّة والإسلاميّة بإسرائيل.

يوجد في إسرائيل تأييد واسع لمبادرة السّلام العربيّة. وهنا يجب على الرئيس باراك أوباما أن يضع أخيرا ً قدمه ويصرّ على أن تحتضن حكومة نتنياهو مبادرة السّلام العربيّة لوضع الأساس لمفاوضات سلام ذات مصداقيّة.

لقد وافقت كلّ الدّول العربيّة والإسلاميّة على مبادرة السّلام العربيّة. وقطر وتركيا تتمتّعان بشكل ٍ خاصّ بتأثير ٍ مهمّ على حماس وتستطيعان الآن ممارسة ضغط ٍ حقيقي على الحركة لتحتضن المبادرة. وتتوافق بشدّة في هذا السياق عدّة تصريحات في الماضي لقادة حماس السياسيين مع الشروط والبنود الرئيسيّة للمبادرة المذكورة التي تعترف بحق إسرائيل كدولة بجانب إقامة دولة فلسطينيّة.

لقد مرّ ما يقارب سبعة عقود من الزَمن على تشبّث الإسرائيليين والفلسطينيين بأوهامهم وإنكار حقوق بعضهم البعض، يخطّطون ويتآمرون على تقويض بعضهم البعض بدلا ً من بناء جسور إنسانيّة والإقتراب من قبول مصيرهما المشترك.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن:”هل سيتعلّم قادة إسرائيل وحماس شيئا ً من هذه الحرب المرعبة، أو – كما صاغها دوستويفسكي – سيستمران في خداع أنفسهما ويصلان إلى نقطة “لا يستطيعان عندها تمييز الحقيقة في أو حول أنفسهما”؟.

لقد أدخلت هذه الحرب بعدا ً جديدا ً على الصّراع الإسرائيلي – الفلسطيني. فالسؤال الذي يجب أن يفكّر فيه الإسرائيليّون والفلسطينيّون مليّا ً هو: هل مصير الشعبين هو أن يعيشا ويزدهرا جنبا ً إلى جنب، أم أن يدمّرا بعضهما البعض، لأنّه لا يستطيع أي منهما العيش دون الآخر بسلام ٍ وأمان.

TAGS
غير مصنف
SHARE ARTICLE